mardi 19 janvier 2010

المصريون في مواجهة العبث بسمعة بلدهم - ياسر الزعاترة




نعيش منذ أسابيع مشهدا يحاكي ذلك الذي تابعناه خلال العدوان على غزة قبل عام، لاسيما أن إعلان تسيبي ليفني الحرب قد تم من القاهرة، وقالت شواهد كثيرة إن قدرا من التواطؤ، وربما التحريض قد توفر في ذات السياق.

لا نبالغ إذا قلنا إن مشهد الأسابيع الأخيرة قد يبدو أكثر سوءًا، أو بذات المستوى من السوء في أقل تقدير، فهناك في المشهد الأول اصطفّ قطاع عريض من المصريين إلى جانب النظام منكرين ما يوجه إليه من اتهامات، ورافضين تحميله المسؤولية عما يجري، في حين تبنى آخرون ذات المعادلة التقليدية المعروفة ممثلة في إمكانية قيام المصري بانتقاد نظامه، لكنه لا يسكت في حال جاء النقد من آخرين.

"
في ضوء ما جرى ويجري، نؤكد على أننا عربا ومسلمين لا يمكن أن نكره مصر والمصريين أيا كانت الظروف، فهم منا ونحن منهم، وقد كانوا وسيبقون طليعة الأمة في مواجهة العدوان عليها
"
هذه المرة تابعنا خطابا سياسيا قويا من طرف أعداد كبيرة من الكتاب والسياسيين والنقابيين والعلماء تعبر عن قطاع عريض جدا من المصريين كان لهم رأي آخر فيما يتعلق بالجدار الفولاذي الذي يبنى على الحدود مع قطاع غزة، إلى جانب منع قوافل المساعدات والمتضامنين من الدخول إلى القطاع، ولم يتورع كل أولئك عن القول إن ما يجري يسيء إلى مصر وشعبها، بينما صرخ بعضهم من الخارج (كذلك من الداخل) مطالبا برحمة المغتربين المصريين الذين أصبحوا يتوارون خجلا من إخوانهم العرب والمسلمين، لاسيما حين تتوجه المسيرات في العواصم الأوروبية والعربية نحو السفارات المصرية.

الأكثر إثارة في ردود الفعل هو تساؤل عدد من الكتاب عن عبثية سؤال "لماذا يكرهوننا؟" في ضوء ما جرى ويجري، الأمر الذي كان مثيرا للحزن والقهر، ومدعاة للتأكيد على أننا عربا ومسلمين لا يمكن أن نكره مصر والمصريين أيا كانت الظروف، فهم منا ونحن منهم، وقد كانوا وسيبقون طليعة الأمة في مواجهة العدوان عليها.

من العبث تحميل الجماهير المصرية عبء ما يفعله النظام، تماما كما أن من العبث تحميل أي شعب عربي مسؤولية ما يفعله نظامه السياسي، لاسيما أن المسافة بين الأنظمة والشعوب كانت ولا تزال كبيرة، على تفاوت بين نظام وآخر، وقد زادت اتساعا خلال السنوات الأخيرة.

مع العلم بأن قيام الصحافة ووسائل الإعلام في هذا البلد أو ذاك بممارسة النفاق السياسي للنظام، لا يعني أن الموقف الشعبي والرسمي قد غدا واحدا، ويكفي أن يدخل أي أحد إلى مواقع الإنترنت وما تنشره من تعليقات على الأخبار والمقالات حتى يدرك هذه المعادلة.

في زمن الدولة القطرية وتجزئة سايكس بيكو وما هو أسوأ (نظرية القطر أولا)، وبعد ذلك سيطرة فئات بعينها على السلطة والثروة في آن معا، وظهور لعبة التوريث، لم يعد بالإمكان الحديث عن تطابق، بل ولا حتى شبه تطابق في الموقف بين الأنظمة والشعوب، حتى لو توفر شيء من ذلك في بعض المحطات والحالات المحدودة والحوادث العابرة.

ولذلك لا يمكن للجماهير العربية الواعية، ونخبها المعبرة عن نبضها أن تتورط في تحميل الشعوب وزر مواقف أنظمتها السياسية، فضلا عن خوض المعارك الجانبية بين بعضها وبعض كما وقع في قضية مباراة الجزائر ومصر التي تركت شروخا في علاقة الأخوة بين الشعبين ندعو الله أن تلتئم سريعا.

"
كانت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بشأن الجدار تعبيرا عن الانحطاط الذي أصاب هذه المؤسسة العريقة، وهي ظاهرة تعبر بدورها عن أزمة الدولة القطرية وصياغة الفتاوى على مقاسها بعيدا عن روحية الأمة
"
الأسوأ بالطبع هو شمول هذه المعادلة للعلم والعلماء، لاسيما مؤسسة الأزهر التي ابتذلت في معارك السياسة كما لم تبتذل من قبل، وقد كانت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بشأن الجدار تعبيرا عن هذا الانحطاط الذي أصاب هذه المؤسسة العريقة، وهي ظاهرة تعبر بدورها عن أزمة الدولة القطرية وصياغة الفتاوى على مقاسها بعيدا عن روحية الأمة، فضلا عن تبعية الديني للسياسي في زمن النخب التي تتحكم في السلطة والثروة كما أشير من قبل، والتي تعبر عن مصالحها وليس مصالح القطر (دعك من مصلحة الأمة).

لكن ما ينبغي أن يقال هنا أيضا هو أن علماء مصر لم يكونوا على مقاس شيخ الأزهر أيضا، فقد كان لهم صوتهم المغاير، وعلى رأسهم عدد من العلماء يتصدرهم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وكذلك جبهة علماء الأزهر التي قالت ما لم يقله أحد آخر في هجاء فتوى الجدار ومُصدريها، حيث قال بيانها إن "القول بالتحريم والتحليل بغير سلطان سوى سلطان الوظيفة الزائلة هو لون من الكفر يتهدد مرتكبيه بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة"، مضيفا "ليس مما أنزله الله إليكم أن تعينوا الغادر على غدره بباطل القول وزوره، وأن تعينوا الفاجر على فجوره بالصمت عليه والتسويغ له".

في مواجهة هذه الموجة من الرفض لممارسات النظام من قبل النخب والجماهير، وقع افتعال قصة الجندي المصري الذي استشهد في مدينة رفح، والذي استثمرت دماؤه بطريقة بشعة للتحريض على حماس وسائر الفلسطينيين، وحرف الأنظار عن جريمة الجدار الفولاذي، بل تبريرها، وتابعنا طوال أيام وصلات ردح بالغة البشاعة ذكرت بتلك التي استخدمت ضد الجزائر عشية المعركة الكروية.

ونقول افتعال، لأن شواهد كثيرة تدل على أن الجندي قد أصيب برصاص من الجانب المصري، وهو الرصاص الذي أصاب عشرات الفلسطينيين بعضهم في حالة الخطر الشديد، مع أن العكس لا يغير كثيرا في المشهد تبعا لاحتمال أن يكون الأمر قد وقع بيد عميل يريد من أمروه التحريض ضد حماس أو إحداث مزيد من الشروخ في العلاقة بين الشعبين الشقيقين. وعلى أية حال فإن دم الشهيد المصري يبقى في رقبة الذين صنعوا المشكلة بما فعلوه بقافلة شريان الحياة كما ذهب صديقنا الأستاذ فهمي هويدي.

إن حماس التي تدرك موقف النظام منها لا يمكن أن تفعل ما يحرّض الشعب المصري عليها، هي التي تدرك حجم تعاطفه معها، ولو سألت أي قيادي فيها لتمنى لو كان الشهيد من عناصر الحركة بدل الجندي المصري.

على أن ذلك لا يحول دون إبداء ملاحظة مهمة في السياق المتعلق بالحالة المصرية على وجه التحديد، ذلك أننا نتمنى بالفعل من الجماهير المصرية، ومن سائر الفعاليات الشعبية أن تكفّ عن ترديد تلك النظرية القائلة بحق المصريين وحدهم في انتقاد نظامهم، ليس فقط لأن هذه المعادلة لا ينبغي أن تكون فاعلة في حق أي نظام عربي أو إسلامي، بل أيضا لأن مصر هي قائدة الأمة، وهي الدولة التي تؤثر مواقفها سلبا وإيجابا على عموم الوضع العربي، الأمر الذي لا ينطبق على أكثر الدول الأخرى، فالدول الصغيرة مع كل الاحترام لشعبها الطيب المدجج بحب الأمة والانتماء إليها والانحياز لقضاياها لا تؤثر في الوضع العربي كما تؤثر مصر أو السعودية أو سوريا أو الجزائر.

"
كلما كان الحراك الشعبي المصري حيويا ضد أخطاء السياسيين وخطاياهم، مع الإقرار بحق ما تبقى من العرب والمسلمين في الاحتجاج أو انتقاد النظام ورموزه، فإن روح الأمة ستبقى حيّة
"
إذا كانت الدولة القطرية أو دولة التجزئة قد فرضت علينا، ومن بعدها هذا الاحتكار للسلطة والثروة من قبل نخب معينة، فلا ينبغي لشعوبنا أن تستسلم لهذه المعادلة، إذ يجب أن تبقى روح الأمة سارية فينا حتى يبقى أمل النهوض قائما، لأن أملا كهذا لن يتوفر في حال بقيت دولة التجزئة من المقدسات، ولم يحدث التقدم على طريق التعاون والتضامن الحقيقي وصولا إلى الوحدة.

في السياق الذي نحن بصدده، يمكن القول إنه كلما كان الحراك الشعبي المصري حيويا ضد أخطاء السياسيين وخطاياهم، مع الإقرار بحق ما تبقى من العرب والمسلمين في الاحتجاج أو انتقاد النظام ورموزه، فإن روح الأمة ستبقى حيّة، وهو ما ينطبق على الموقف من الآخرين.

وعموما ستبقى مصر هي مصر وشعبها هو المسلم العربي الأبي الذي لا غنى للأمة عنه ولا غنى له عنها، بل هو رائدها في التغيير، فيما ندرك أن حملات التحريض على إخوته التي يتعرض لها لا يمكن أن تؤثر في وعيه الجمعي، حتى لو أثرت في قليل من أبنائه لبعض الوقت (وداع أهل العريش الحميم لقافلة شريان الحياة دليل على ذلك)، لاسيما أن معاناته من أخطاء النظام وخطاياه في الداخل كبيرة، فضلا عن تفريطه بأمن مصر القومي وحضورها ودورها في الخارج، بخاصة خلال السنوات الأخيرة منذ سيطرة هواجس التوريث عليه.

لما كان زمن السقوط - فهمي هويدي






عمت البلوى، ولم يعد «المصريون الجدد» وباء حل بمصر فقط، بل انتشر في ربوع الأمة، التي صار في كل منها نماذج لأولئك الجدد، الذين لا يكرهون انتماءنا فحسب، وإنما يبغضون أحلامنا أيضا.

(1)

"
نماذج "أولئك الجدد" هم نتاج زمن الانكسار والانفراط وثقافة التراجع والانبطاح, مما جعل مفهوم الأمة ذاته وحلمها في الوحدة بدا غائما وملتبسا، ومن ثم محلا للتندر والسخرية
"
يروي عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي في مذكراته أن الإنجليز بعدما احتلوا بغداد في 11 مارس/آذار عام 1917 فإن الناس أطلقوا على تلك المرحلة «عهد السقوط»، وصاروا يطلقون على الذين ولدوا في ذلك العهد «أولاد السقوط». تذكرت كلام الدكتور الوردي حين تلقيت تعليقات عدة من أنحاء الوطن العربي على مقالي، الذي نشر تحت عنوان «المصريون الجدد» في الخامس من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، وكان أكثر ما أثار انتباهي فيها إشارة أصحابها إلى أن نماذج أولئك الجدد موجودون في بعض الأقطار العربية أيضا، حيث برزت على السطح ذات القشرة، التي تحدثت عنها في مصر، التي أوغلت في القطرية وضاقت بالعروبة ونفرت من الإسلام، وباتت تستهجن المقاومة وتتأفف من الحديث عن فلسطين، ولم تعد تعرف من هو عدو الأمة، ومن الذي يهدد حقا أمنها القومي، بل إن مفهوم الأمة ذاته وحلمها في الوحدة بدا غائما وملتبسا، ومن ثم محلا للتندر والسخرية.

حين تلاحقت الرسائل محملة بهذه المعاني قفز إلى ذهني على الفور مصطلح عهد السقوط وعنوان أولاد السقوط. وقلت إن هذه النماذج نتاج زمن الانكسار والانفراط وثقافة التراجع والانبطاح.

في الأسبوع الماضي وقعنا على عدة لقطات لها دلالتها في هذا السياق. إذ حين هزم فريق الجزائر في أولى مباريات كأس الأمم الأفريقية عبر بعض الإعلاميين في مصر عن شماتتهم وارتياحهم لما حدث، وحين فازت مصر على نيجيريا 3/1 قال أحد المعلقين الرياضيين المصريين إن النتيجة جلبت انتصارا أشاع الفرحة في العالم العربي، فاعترض على ذلك معلق تونسي قائلا إن ذلك الشعور ينسحب على الشعب المصري فقط، لأن شعوب المغرب العربي كانت تشجع الفريق النيجيري وتتمنى له الفوز على المنتخب المصري، لا أعرف مدى دقة هذه الشهادة، لكنها إذا صحت فإنها تسلط الضوء على أحد أوجه الانفراط والتشرذم الحاصلة في «زمن السقوط».

(2)

"
في حين انقسم العرب في زماننا في التعامل مع العدو الإسرائيلي إلى ثلاثة معسكرات «معتدلون ومتطرفون وبين بين»، فإن المراجع التاريخية تتحدث أيضا عن تعدد ملوك الطوائف وانخراطهم في ثلاثة معسكرات
"
رياح التباغض هذه نجحت في تسميم الأجواء العربية، ليس فقط على مستوى الشعوب، لكن على مستوى القيادات والرموز أيضا، الذين أصبح بعضهم يرحب بلقاء قيادات العدو الإسرائيلي في حين يرفض الاجتماع مع «الأشقاء» العرب، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة ملوك الطوائف في الأندلس (400 -484 هـ -1009 -1091م). ذلك أنه بعد سقوط الخلافة والدولة الأموية انفرط عقد الأندلس، التي تحولت إلى دويلات متنازعة، فاستقل كل أمير بناحية ونصب نفسه ملكا عليها، وتطلع كل واحد منهم لأن يبسط سلطانه على الأندلس، وبسبب التنافس بينهم فإن منهم من تعارك مع جاره المسلم، ومنهم من استعان بملك النصارى ألفونسو السادس، الذي كان يحكم شمال البلاد، وتسانده فرنسا والباباوية في روما.

ومن سخريات الأقدار، أنه في حين انقسم العرب في زماننا في التعامل مع العدو الإسرائيلي المؤيد بالأميركيين إلى ثلاثة معسكرات «معتدلون ومتطرفون وبين بين»، فإن المراجع التاريخية تتحدث أيضا عن تعدد ملوك الطوائف وانخراطهم في ثلاثة معسكرات.

واحد ضم ممالك أهل الأندلس، الذين استقروا في البلاد منذ قديم الزمان وانفصلوا عن أصلهم العربي. والثاني ضم البربر والمغاربة، الذين كانوا حديثي العهد بالأندلس، والثالث معسكر كبار الصقالية، الذين استقلوا بشرقي الأندلس. جميعهم تنافسوا وتصارعوا فيما بينهم، حتى قال عنهم المؤرخ ابن عذاري المراكشي إن «أمرهم صار في غاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة. أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها».

النتيجة يعرفها الجميع، إذ ظل الملك ألفونسو يضرب ملوك الطوائف بعضهم ببعض، ويتقدم على الأرض مسقطا «الممالك» والثغور واحدة تلو الأخرى حتى أخضع الجميع وأذلهم. ولم تقم لدولة الإسلام في الأندلس قائمة بعد ذلك إلا حين زحف إليها المرابطون من المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي أسس دولة المرابطين التي استمرت حتى منتصف القرن الثاني عشر.

لدينا في العصر الحديث تجربة أخری فرضت فيها الشرذمة بعد انهيار الدولة العثمانية. ذلك أنه في الفترة ما بين عام 1830 (تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر) وعام 1920 (حين أحكم الفرنسيون والبريطانيون سيطرتهم على بقية أنحاء العالم العربي) استطاع الغرب أن يصفي -تدريجيا ولأول مرة في التاريخ - الكيان العربي الإسلامي الموحد بصفة نهائية، وأن يحكم أغلبية أقطاره بصورة مباشرة.

"
بذل الأجنبي قصارى جهده لكي يحمل الاستقلال معنى عكسيا، بحيث لا يكون استقلالا حقيقيا عن الأجنبي، بل استقلالا عن «الأخوة» أساسا، بمعنى أن يكون لكل وطن عربي مستقل ذاتية وخصوصية، تميزه عن الأوطان العربية الأخرى
"
وكانت اتفاقية سايكس بيكو التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام 1917، بعد الحرب العالمية الأولى تجسيدا صريحا لسياسة تفتيت العالم العربي وتمزيقه. وكان من بين نتائجها المباشرة إجهاض حركة المد العربي، التي تشكلت في مواجهة التتريك، الذي فرضته السلطة العثمانية، وإحباط حملة توحيد المملكة العربية بزعامة الشريف حسين. وهذا الإصرار الذي وصل إلى حد التآمر لضمان استمرار تفتيت الأمة العربية كشفه في وقت لاحق عدد من الباحثين العرب، الذين أتيح لهم الاطلاع على الوثائق الغربية ذات الصلة.

وقد أصدر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت أكثر من كتاب حول هذا الموضوع، كان أحدها حول التجزئة العربية وكيف تحققت تاريخيا، لمؤلفه الأستاذ أحمد طربين، وقد استعرض محاولات حول الهيمنة الغربية في هذا الصدد، ثم خلص إلى أن بعض الدول العربية، التي حصلت على استقلالها بموجب معاهدات الصداقة والتحالف التي أبرمتها مع الأجنبي، فإن ذلك الأجنبي بذل قصارى جهده لكي يحمل الاستقلال معنى عكسيا، بحيث لا يكون استقلالا حقيقيا عن الأجنبي، بل استقلالا عن «الأخوة» أساسا، بمعنى أن يكون لكل وطن عربي مستقل ذاتية وخصوصية، تميزه عن الأوطان العربية الأخرى.

(3)

ربما لاحظت أن الانفراط الذي حدث في النموذجين السابقين ثم في مرحلتين للسقوط، إحداهما في أعقاب انهيار الخلافة الأموية، والثانية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، في الأولى تنازع ملوك الطوائف فيما بينهم فانهزموا أمام العدو المشترك، وفي الثانية تكالبت قوى الهيمنة الغربية على جسد الأمة فمزقته وبسطت سلطانها على أطرافه، وكان الضعف المؤدي إلى الانكسار قاسما مشتركا في الحالتين.

أزعم أننا في العالم العربي دخلنا في طور ثالث لحالة الضعف والانكسار منذ توقيع معاهدة كامب ديفد في عام 1979. ذلك أن المد القومي الذي عاشته مصر والأمة العربية في المرحلة الناصرية ظل مصدر قلق دائم للولايات المتحدة وإسرائيل، والأخيرة اعتبرت ذلك المد تهديدا وجوديا لها.

وكان الإنجاز الذي حققته مصر بعبور قواتها إلى سيناء في حرب 1973 من دواعي تعزيز ذلك القلق، من حيث إنه جاء دالا على ما يمكن أن تفعله مصر إذا استردت بعض عافيتها، ولذلك أتصور أن العقل الإستراتيجي المشترك بين الأميركيين والإسرائيليين، وقد تابع سلوك الإدارة المصرية بعد طرد الخبراء السوفييت وتوقيع اتفاق فض الاشتباك مع إسرائيل، طرح السؤال التالي: كيف يمكن اصطياد مصر والإيقاع بها، بعدما غاب عنها عبد الناصر، وفي ظل انتشاء السادات بما حققه في حرب أكتوبر؟

ليس هذا السؤال افتراضيا، ولا هو من وحى الخيال، لأن ما حدث بعد ذلك في اتفاقية كامب ديفد لم يكن سوى إجابة وافية عنه - كيف ولماذا؟

ردي أنه إذا كان بعض المحللين الإسرائيليين، يعتبرون اتفاقية كامب ديفد أهم إنجاز حققته إسرائيل في تاريخها بعد تأسيس الدولة، فإن ذلك يسوغ لنا أن نعتبرها أكبر هزيمة سياسية لحقت بمصر في تاريخها الحديث، لا تنافسها في ذلك إلا معاهدة لندن، التي عقدت في سنة 1840. وهي التي أخرجت محمد علي باشا من الشام وحصرت سلطاته داخل حدود مصر، في حين أبقت مصر والشام تحت الهيمنة الأوروبية، التي انتهت باحتلال الإنجليز لمصر في عام 1882.

"
إذا كان بعض المحللين الإسرائيليين، يعتبرون اتفاقية كامب ديفد أهم إنجاز حققته إسرائيل في تاريخها بعد تأسيس الدولة، فإن ذلك يسوغ لنا أن نعتبرها أكبر هزيمة سياسية لحقت بمصر في تاريخها الحديث
"
صحيح أن مصر استعادت سيناء بشروط معينة بمقتضى اتفاقية كامب ديفد، إلا أن الثمن الذي دفعته لقاء ذلك كان فادحا وباهظا للغاية. لأنها تصالحت بصورة منفردة مع العدو، الذي يمثل وجوده التهديد الحقيقي لأمن مصر والأمة العربية، في حين لا يزال ذلك العدو مصرا على الاستمرار في الاحتلال والاستيطان والتهويد.

ليس ذلك فحسب، وإنما وقعت مصر في هذه الاتفاقية على الاستقالة من دورها الريادي في العالم العربي، ذلك أن المادة السادسة من الاتفاقية المذكورة تنص في إحدى فقراتها على أنه إذا حدث تعارض بين التزامات الطرفين الواردة في المعاهدة وبين أي التزامات لهما قررتها اتفاقات أخرى، تقدم التزامات الطرفين على ما عداها، وهو نص يكاد يكون تطبيقا للشعار «مصر وإسرائيل أولا»، وعند الحد الأدنى فإنه يعني مباشرة خروج مصر من اتفاقية الدفاع العربي المشترك. الأمر الذي جعلها تقف متفرجة على غزو لبنان وإزاء أي مغامرات أخرى تقدم عليها إسرائيل في العالم العربي.

(4)

في مناسبات مختلفة قلت إن مصر في العالم العربي بمثابة العمود الأساسي، الذي تعتمد عليه الخيمة العربية، فإذا انكسر ذلك العمود وقعت الخيمة كلها على الأرض، وهذا ما حدث خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي أعقبت توقيع اتفاقية كامب ديفد، مما أدى إلى مقاطعة مصر لمدة عشر سنوات وكما أدى إلى نقل مقر الجامعة العربية منها إلى تونس، مباشرة بعد توقيع الاتفاقية.

إذ خلال تلك السنوات ظل مقعد القيادة في العالم العربي شاغرا، وتقلص الدور المصري حينا بعد حين، واستمر النظام العربي في الانهيار، وتغيرت خرائط العالم العربي السياسية والثقافية، حتى وصلنا إلى حالة الانقسام، التي نعيش في ظلها الآن، بحيث أصبحت أبواب مصر مفتوحة أمام نتنياهو ومغلقة في وجه بشار الأسد، وحتى أصبح أبو مازن مواظبا على اجتماعاته مع أولمرت وتسيبي ليفنى، ورافضا مصافحة خالد مشعل، وحقق التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل شوطا بعيدا في التصدي للمقاومة التي أصبحت «عدوا مشتركا» للاثنين!

"
خلال سنوات القطيعة مع مصر ظل مقعد القيادة في العالم العربي شاغرا، وتقلص الدور المصري حينا بعد حين، واستمر النظام العربي في الانهيار، حتى وصلنا إلى حالة الانقسام التي نعيش في ظلها الآن
"
لا يتسع المجال لرصد مظاهر التردي الذي وصلنا إليه بسبب غياب مصر وتراجع دورها، الأمر الذي أفقدها هيبتها واحترامها. ذلك أن تجليات ذلك التردي لم تترك مجالا في حياتنا السياسية أو الثقافية إلا وضربته، كما لم تترك قيمة نبيلة تعلقنا بها، ولا ركيزة من ركائز العزة والعافية عولنا عليها، إلا وتنكرت لها. إذ اختلط الحابل بالنابل، وصار العدو الإستراتيجي حليفا إستراتيجيا، كما ذكر الأستاذ طارق البشري مندهشا. وأصبحت المقاومة إرهابا، والفلسطينيون في غزة تهديدا للأمن القومي.

وقال بعض «الخبراء» إن خطر الفلسطينيين والإيرانيين على مصر أشد من الخطر الإسرائيلي. واستنكف بعض المثقفين في مصر على الانتماء العربي، قائلين إنهم أرفع من ذلك شأنا، فهم مصريون من سلالة الفراعنة «الذين هم» أرقى سلالات الدنيا ومن أرفع أعراق الأرض».. إلخ.

من رحم هذه البيئة الشائهة خرج «المصريون الجدد»، وانتقلت العدوى إلى خارج الحدود على النحو الذي وسع من دائرة أبناء السقوط.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة
2010

mardi 12 janvier 2010

In the Siege of Gaza, Egypt Walks a Delicate Line

In the Siege of Gaza, Egypt Walks a Delicate Line

فهمي هويدي - عن الأنفاق والجدار والمسكوت عنه من الأسرار

لا بأس من وقفة مع بعض مقولات «المصريين الجدد» الذين استنفرهم ما كتبته عنهم الأسبوع الماضي، فاستبسلوا في تلبيس الحق بالباطل، ولم تسعفهم أوراق التوت التي استخدموها لستر ما انكشف من عورات.
(1)
كنت قد تحدثت عن أولئك النفر من الناس الذين أفرزتهم أجواء الانحسار والانكسار التي سادت في السنوات الأخيرة، فتشوّه إدراكهم حتى أصبحوا كارهين لمقومات انتمائنا وتطلعات أحلامنا. ومن ثم تبنوا منظومة قيم مناقضة لما تعارفت عليه الجماعة الوطنية المصرية وبلورة خطابها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم أُخف أن ما كتبته كان متأثرا بأصداء الهجوم على الانتماء العربي بسبب أزمة مباراة مصر والجزائر، والتجريح الذي أصاب الملف الفلسطيني، والمقاومة بشكل عام، الأمر الذي سوّغ الاشتراك في حصار غزة ثم السعي لإحكام ذلك الحصار من خلال إقامة الجدار الفولاذي العازل.
ولأن سياق المقال كان يتحدث عن أحداث وأجواء العام المنصرم، فإنني تطرقت إلى منظومة القيم السلبية الأخرى التي تجلت في خطاب أولئك «الجدد» متصورا أن ذلك يسلط أضواء إضافية من زاوية مغايرة على صورة العام وحصيلته.
بعض الذين على رأسهم «بطحة» تطوعوا بالرد. ولأن موضوع الجدار الفولاذي هو حديث الساعة في مصر على الأقل، فإنهم اتخذوا منه قاعدة ليس فقط لهدم الفكرة التي عرضتها، ولكن أيضا لهدم من قال بها أو أيدها. ولجؤوا في ذلك إلى التخويف والتكفير تارة، وإلى الكذب والتدليس تارة أخرى، وإلى تغطية ذلك بالعناوين الكبيرة، مثل السيادة والكرامة الوطنية والمصالح العليا والأمن القومي، تارة ثالثة، ولأنهم لم يلجؤوا إلى الإسفاف والبذاءات التي يستخدمها بعض البلطجية الذين انتسبوا إلى مهنة الصحافة، وإنما استخدموا خفة اليد التي يلجأ إليها النشالون الأذكياء والظرفاء، فإن ذلك شجعني على الرد على أطروحاتهم وأخذها على محمل الجد، تقديرا لأدبهم وظرفهم.
(2)
قرأت لأحدهم كلاما اعتبره دفاعا عن مصر، في مدخل لا يخلو من تدليس، حيث افترض أن مصر هي السياسات الراهنة وأن الاختلاف حول هذه السياسات هو تجريح لمصر ونيل من مقامها. ولأنه أحد الوكلاء «الحصريين» لمصر الراهنة، فقد وجد أن «الواجب» يفرض عليه أن ينبري للدفاع عنها، وفي نص المرافعة التي نشرت يوم السبت الماضي 9/1 ركز صاحبنا على النقاط التالية:
* إن مشكلة مصر دائما لم تكن مع أعدائها «التي كانت قادرة على التعامل معهم» وإنما كانت مع أصدقائها وأشقائها (العرب؟) الذين ظل التعامل معهم ملتبسا دائما وقائما على «المناورة والخداع» (!).
* إن الرئيس عبد الناصر أقدم بعد الغارة الإسرائيلية على غزة عام 1955 على اعتقال سياسيين ومفكرين ومناضلين «حتى لا يستدرج أي منهم مصر إلى معركة لم تخترها ولم تحدد هي مكانها وتوقيتها» في إشارة تفوح منها رائحة إما التلويح أو التحريض أو التخويف من إمكانية تكرار «السابقة» مع الناقدين الحاليين.
* النقطة الثالثة والأهم في المرافعة أنها لجأت إلى الطعن في ولاء وانتماء الناقدين. فوصفتهم تارة بأنهم لا يجدون بأسا في التفريط بالمصالح المصرية، وبأن «أيديولوجيات مختلفة دفعتهم للتخلي عن مصر ومصالحها» تارة أخرى. وفي موضع ثالث ذكر أنهم «يضعون مصر في مؤخرة اهتماماتهم، ويضعون كل ما عداها في المقدمة، من طهران إلى غزة، وهى أوصاف تخرج الناقدين لفكرة الجدار وشككوا في مراميه من الملة الوطنية. عبّر عن الفكرة ذاتها في برنامج تلفزيوني أحد الجهابذة الذين يُستضافون كثيرا هذه الأيام، ويقدم بحسبانه من الخبراء الأمنيين، إذ سمعته يقول إن الذين انتقدوا الجدار «ليسوا مصريين» الأمر الذي لا يشكك فقط في وطنيتهم، ولكنه يُعد أيضا من قبيل التكفير السياسي والإرهاب الفكري.
* بعد التبكيت والتخويف والتخوين أوردت المرافعة سبعة انتقادات لمشروع الجدار، كان الرد عليها طريفا للغاية، ذلك أن الرد لم يتجاوز حدود النفي، دون تقديم أي حجة مقابلة أو معلومة تؤيد وجهة النظر المضادة. ففي مواجهة انتقادات رأت أن الجدار بمثابة عقاب لحماس لرفضها الاستجابة للطلبات المصرية، أو أنه يعبر عن التجاوب مع السياسات الإسرائيلية، أو أنه ضمان للأمن الإسرائيلي أو تمهيد لضربة إسرائيلية جديدة، أو أنه جزء من صفقة توريث السلطة في مصر أو أو ..إلخ، فإن هذه الادعاءات قوبلت بمجرد الاستنكار الذي لا يقنع أحدا، ويفتح الباب لاحتمال تأييد الادعاء وليس استبعاده.
(3)
الشيء المحدد الوحيد الذي جرى الإلحاح عليه أكثر من مرة هو أن الأنفاق مثلت اختراقا للحدود المصرية واعتداء على يادة البلد، وأنها استخدمت في تهريب السلاح وأدوات العنف، وتهريب وتدريب الإرهابيين، وأن إقامة الجدار استهدفت تأمين الحدود المصرية من التهديدات القادمة من غزة. من ثم فهي مجرد إنشاءات حدودية وتحصينات دفاعية وليست هجومية ارتأتها مصر استنادها إلى حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي.
هذا الكلام يُعد نموذجا للتدليس وابتذالا للمعاني الكبيرة المتمثلة في السيادة والأمن القومي والمصالح العليا. ذلك أن الأنفاق لم تظهر كقضية إلا بعد فرض الحصار على غزة وارتفاع نبرة شكوى الإسرائيليين وانتقادهم، لسبب جوهرى هو أنها كانت أحد أسلحة المقاومة التي ابتدعها الفلسطينيون وحفروها بأظفارهم لتحدي الحصار وإفشاله. لذلك فإنها كانت مشكلة لإسرائيل وليست لمصر.
الكلام عن استخدام الأنفاق في تهريب السلاح وأدوات العنف أو تهريب الإرهابيين كذب وافتراء لا أساس له من الصحة. هذا هو رأي رئيس الدائرة الإعلامية في حركة حماس الدكتور صلاح البردويل الذي قال إن ما بين 30 و35٪ من الاحتياجات المعيشية للقطاع ظلت تأتي عبر الأنفاق. فمن خلالها تدخل إلى القطاع بعض مواد البناء التي تمنعها إسرائيل مثل الزجاج والأخشاب والألومنيوم. كما تتوفر الأقمشة والمواد البلاستيكية ومواد التنظيف، وكل مستلزمات المدارس من كتب وكراريس وأدوات مدرسية، كما أن كل ما يدخل القطاع من بنزين وسولار يأتي من مصر عبر الأنفاق. وذلك غير قطع غيار السيارات والمواد الغذائية التي تشمل المعلبات والفواكه وحليب الأطفال. (للعلم: قيمة البضائع التي تدخل سنويا عبر الأنفاق تقدر بمليار دولار تنعش أسواق رفح والعريش).
إن سد الأنفاق يعنى خنق القطاع وحرمانه من كل ما سبق. إذ ستتوقف الدراسة وحركة ترميم المباني وستصاب كل سيارات القطاع بالشلل، ولن يجد الناس احتياجاتهم من الألبسة والأحذية أو حليب الأطفال... إلخ. وهذا هو «الإرهاب» الذي يتحدث البعض عن ضرورة إيقافه، ويصورونه بحسبانه مصدرا لتهديد الأمن القومي المصري.
هل هذا يبرر اختراق الحدود وانتهاك السيادة؟ قطعا لا، ولكنه من الناحية الأخلاقية يُعد من الضرورات التي تبيح المحظورات. والتعامل الأمثل مع هذه الضرورة يكون برفع الحصار لتوفير احتياجات المحاصرين من خلال معبر رفح، الذي ينبغي أن يُعامل كأي معبر آخر يخضع لإشراف مصر ورقابتها، في السلوم أو نويبع.
ولا محل للاحتجاج هنا باتفاقات لم تكن مصر طرفا فيها، كما ينبغي ألا يستخدم الحصار وسيلة لليّ ذراع حماس وإخضاعها لرئاسة السلطة في رام الله، لأن الشعب الفلسطيني في القطاع ينبغي ألا يرتهن لكي يحل ذلك الخلاف المعقد بين أنصار التسوية والتفريط، وبين دعاة الممانعة والمقاومة.
وفي القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تجويع المدنيين، سند قوي للحل الذي ندعو إليه، يعلو فوق أي اتفاق آخر، وهو مما يدعم موقف مصر إذا أرادت أن تحل مشكلة الأنفاق من جذورها، بحيث تسمح بتوفير احتياجات الناس بصورة إنسانية عادية ومنتظمة.
(4)
إن المرء ليستغرب أن تـُبْتذل فكرة أمن مصر القومي، بحيث تـُعد الأنفاق الفلسطينية تهديدا لذلك الأمن، في حين لا يـُعد كذلك 200 رأس ذري تخزنه إسرائيل. كما يستغرب ذلك الاحتجاج ضد الأنفاق بالسيادة واختراق الحدود المصرية، بينما يتم السكوت عن الاعتداء شبه المنظم على السيادة المصرية من جانب إسرائيل التي لا تتوقف غاراتها على الحدود لتدمير الأنفاق. وهى غارات تمثل أيضا انتهاكا لاتفاقية السلام التي نصت على اعتبار منطقة الحدود المشتركة منزوعة السلاح، في حين حوّلها الإسرائيليون إلى مسرح للعمليات العسكرية.
إن «وطنية» المصريين الجدد الذين تبلغ بهم الجرأة حد إعطائنا درسا في الغيرة على مصر والحدب على مصالحها العليا، لا ترى في طموحات إسرائيل خطرا على أمن البلد، ولا في جرائمها ما يستحق التنويه فضلا عن الاستنكار، لكنها لا ترى التهديد أو الخطر إلا في توفير كراريس المدارس وعلب الحليب وغيرها من الاحتياجات الأساسية إلى المحاصرين في غزة.
إن الصمت المريب عن كل اعتداءات وانتهاكات إسرائيل للحدود المصرية لا يعادله إلا التجاهل التام لقصة الجدار والمعلومات المثيرة التي تتناثر حوله، ومن المفارقات أن هذا الموضوع الذي يثير الآن صخباً وجدلا شديدين في مصر، ظل سرا محاطا بالكتمان عدة أشهر، إلى أن فضحته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، حين تحدثت عن الأعمال الجارية على الحدود، وعن مواصفات ألواح الصلب التي تصنع في أميركا لكي تدفن في الأرض على عمق ثلاثين مترا، وتشكل الحاجز الفولاذي المطلوب.
ورغم أهمية تلك المعلومات فإنها لم تشر إلى التفاصيل التي تسربت تباعا في وقت لاحق. ومنها أن إقامة الجدار قرار أميركي إسرائيلي جاء تنفيذا لاتفاق كان آخر ما وقعته في نهاية العام الماضي وزيرتا الخارجية في الولايات المتحدة وإسرائيل (كوندوليزا رايس وتسيبى ليفنى). وكان إنجاز ذلك الاتفاق أحد الشروط التي أملتها إسرائيل على واشنطن قبل انسحابها من غزة، فيما وصف بأنه «تنظيف للطاولة» قبل استلام الإدارة الأميركية الجديدة، وقد أغضب ذلك مصر وقتذاك، التي احتجت على اتفاق الدولتين على إقامة السور الفولاذى على أراضيها، الأمر الذي يُعد اعتداء صارخا على سيادتها. ولكن «التفاهمات» اللاحقة امتصت الغضب وأدّت إلى تنفيذ الاتفاق كما أرادته إسرائيل واتفقت عليه الدولتان.
من المعلومات التي تسربت أيضا أن مركز الأبحاث الهندسية والتنموية التابع للجيش الأميركي هو الذي أعدّ جميع المواصفات الفنية للمشروع، وقد تعاقد على تنفيذها مع شركة في ولاية مسيسبى، تخصصت في صناعة الألواح الفولاذية العازلة، سبق لها أن نفذت مشروعات مماثلة على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.
ذلك كله مسكوت عنه وتجري تغطيته بالحيل البلاغية والشعارات الرنانة التي تردد الهتاف لسيادة مصر ومصالحها العليا وأمنها القومي، في حين تهدد الناقدين وتطعن في وطنيتهم ومصريتهم.
لقد عددت فيما كتبت قبلا ما تصورته مواصفات للمصريين الجدد وموقفهم إزاء القيم السياسية للجماعة الوطنية في مصر، لكن النموذج الذي بين أيدينا سلط الضوء على موقفهم من القيم الأخلاقية والذي بات يحتاج إلى دراسة مستقلة، لأن الجرأة على الاحتيال والتدليس التي تكشفت ليست في مقدور كل أحد.



lundi 11 janvier 2010

Microcrédit, miracle ou désastre ?, par Esther Duflo

e microcrédit est, sans aucun doute, l'innovation qui a fait le plus parler d'elle dans la lutte contre la pauvreté. Il y a un peu plus de trente ans, Mohammed Yunus consentait ses premiers prêts à un groupe de femmes du Bangladesh. Il y a aujourd'hui plus de 150 millions de micro-emprunteurs à travers le monde. Le programme a essaimé jusqu'aux Etats-Unis et en France. La grande majorité de ces clients n'avaient auparavant aucun accès au crédit bancaire et étaient contraints d'avoir recours aux usuriers de village, qui pratiquent des taux faramineux (en Inde, les vendeurs de légumes qui empruntent à la journée paient jusqu'à 5 % par jour, et dans les villages, des taux de 20 % par mois ne sont pas rares).

Or, presque tous doivent bien, un jour ou l'autre, avoir recours au crédit : en effet, les pauvres vivent dangereusement... Ils sont très souvent à leur compte : au Pérou, 69 % des ménages urbains les plus pauvres ont leur propre entreprise. En Inde, au Pakistan, au Nicaragua, cette proportion se situe entre 47 % et 52 % (dans les pays de l'OCDE, la proportion d'entrepreneurs n'est que de 12 %). Dans les régions rurales, la part des ménages à leur compte est encore plus importante. Le moindre choc (une mauvaise récolte, une maladie, un vol...) les laisse extrêmement vulnérables. Les filets de sécurité auxquels nous sommes habitués, Sécurité sociale, retraite et même la possibilité de déposer le bilan, n'existent pas. Epargner est difficile et dangereux : les banques ne veulent pas gérer des petites sommes et les économies laissées sous le matelas disparaissent facilement.

C'est pourquoi rares sont les pauvres qui n'ont aucune dette. Au Pakistan, 93 % des ménages les plus pauvres sont endettés, souvent à la suite d'un choc, parfois pour financer leur activité ; au Rajasthan, ils sont plus de deux tiers et en Afrique du Sud, un tiers. Alors que ces ménages avaient auparavant forcément recours à l'usurier local ou au propriétaire terrien, ils ont aujourd'hui la possibilité d'emprunter à des institutions de microfinance. Les taux d'intérêt, bien qu'élevés si nous les comparons à ceux qui sont pratiqués dans les pays développés (de 20 % à plus de 100 % par an selon les pays), sont nettement plus faibles que ceux auxquels ils étaient habitués.

Cela représente une réussite importante, dans des pays où les services à l'intention des plus pauvres, privés ou publics, brillent par leur absence. Les essais des décennies antérieures pour distribuer des crédits subventionnés par l'intermédiaire des banques nationales se sont écroulés, sous le poids des non-remboursements et de la corruption. Les institutions de microcrédits sont dirigées par des entrepreneurs qui maîtrisent parfaitement la distribution d'un service de qualité à très grande échelle : par leur dynamisme et leur capacité d'innovation, ils ont réussi là où des tentatives bien mieux financées et soutenues par des gouvernements locaux ou étrangers avaient échoué.

Mais beaucoup voient dans le microcrédit bien plus qu'un simple instrument financier. Pour eux, le microcrédit devrait favoriser une transformation en profondeur de la vie des plus pauvres. Donner cet outil financier à des familles - et souvent à des femmes, ce qui est sans doute encore plus important - leur assurerait non seulement un moyen de vivre mais une dignité, les conduirait à investir plus pour leur santé ou l'éducation et à réduire la discrimination contre les femmes et les petites filles. Certains sont allés jusqu'à suggérer qu'en accordant aux femmes l'accès à un capital, le microcrédit permettrait de lutter contre le sida...

La vision du monde de Mohammed Yunus est profondément optimiste : selon lui, chacun de nous est un entrepreneur en puissance et la seule chose séparant une femme pauvre du Bangladesh d'un directeur d'entreprise serait l'accès au capital (et peut-être à un téléphone pour savoir où vendre ses produits !). La lutte contre la pauvreté n'a pas besoin de charité : il suffit de créer les bonnes opportunités que les pauvres sauront saisir pour faire croître leur entreprise et rembourser emprunts et intérêts. Ce message est très séduisant : il semble dévoiler les clefs d'une richesse humaine cachée qu'un produit financier bien fait débloquerait. Il rejoint les conclusions de l'économiste péruvien Hernando de Soto, pour qui la barrière fondamentale à la réussite des plus pauvres est l'absence de droits de propriété sur leur maison et leurs terrains, les empêchant de capitaliser sur leur richesse. Il trouve un écho important chez les sceptiques de l'aide et du rôle des gouvernements : la clé de la fin de la pauvreté reste le marché.

Cet enthousiasme n'est pas sans susciter des retours de bâton. Certains sont sceptiques, voire hostiles. Ils considèrent les banquiers du microcrédit comme de nouveaux usuriers qui exploitent l'incapacité des plus pauvres à résister à la tentation de l'emprunt ; ils soulignent que les taux d'intérêt, souvent présentés de manière obscure, restent très élevés par rapport à ce que paient les plus riches. Ces critiques attribuent même au microcrédit les suicides de paysans surendettés, soumis à une pression indue exercée par les agents de prêts. En effet, ceux-ci, rémunérés en fonction du nombre de clients et de leur taux de remboursement, sont incités à pousser à l'emprunt d'abord, et à forcer au remboursement par tous les moyens ensuite.

Ces derniers temps, cette vision négative a gagné du terrain : on la voit s'exprimer dans de nombreux blogs et articles de presse, qui vont jusqu'à accuser le microcrédit de ruiner les économies locales. Le fait que le microcrédit soit souvent présenté comme l'alternative aux programmes de redistribution traditionnels et les profits importants réalisés par certaines des institutions ne sont certainement pas étrangers à ces critiques.

Le microcrédit, miracle ou désastre ? Malheureusement, en dépit de l'importance du débat, il n'y avait pas jusqu'à récemment d'étude rigoureuse de part ou d'autre. Partisans et adversaires se battaient à coup d'anecdotes ou d'études difficiles à interpréter, parce qu'elles comparaient des pommes et des oranges (c'est-à-dire des emprunteurs et des non-emprunteurs). Chaque camp avait beau jeu de critiquer les données imparfaites des autres.

Mais cela est en train de changer grâce au courage et à la vision de certaines institutions particulièrement novatrices : Spandana en Inde, Al Amana au Maroc, First Macro Bank aux Philippines, Compartamos au Mexique ont permis à des chercheurs (dont j'ai eu la chance de faire partie) d'évaluer rigoureusement l'impact de leurs programmes dans le cadre d'expérimentations : des personnes similaires en tous points, mais dont certaines ont eu la possibilité d'emprunter et d'autres non, sont comparées. Nous avons aujourd'hui les résultats des évaluations réalisées aux Philippines et en Inde.

Ces deux programmes sont très différents. Aux Philippines, First Macro Bank propose des emprunts à des entreprises qui existent déjà, sur une base individuelle. En Inde, Spandana utilise le modèle canonique de la Banque Grameen (l'institution créée par Mohammed Yunus): un petit emprunt solidaire, réservé à des femmes. Pourtant, les résultats concordent : dans les deux pays, les emprunteurs acquièrent plus de biens durables (télévision, réfrigérateur, etc.) pour leur foyer. Ceux qui ont une petite entreprise investissent dans celle-ci : ils acquièrent des actifs productifs (bicyclette, machine à coudre) ou augmentent leurs stocks. En Inde, un emprunt sur huit conduit à la création d'une nouvelle activité indépendante (aux Philippines, tous les emprunteurs avaient déjà une entreprise).

Ces études semblent donc nous dire que le microcrédit rend exactement les services attendus d'un bon produit financier : il permet à ses clients d'effectuer des achats importants, pour leur activité ou pour leur ménage, qu'ils n'auraient pas pu engager autrement.

Mais, dix-huit mois plus tard, on ne constate aucun signe d'une transformation profonde de la vie de ces familles : ni l'une ni l'autre de ces études ne démontre d'impact sur la santé, la scolarisation ou le pouvoir de décision des femmes. En revanche, contrairement aux prédictions pessimistes des sceptiques de la microfinance, on ne constate aucune frénésie de consommation irresponsable provoquée par l'argent facile : au contraire, en Inde, les familles abandonnent certaines des petites tentations de la vie courante (thé, snacks, noix de bétel, tabac) pour rembourser l'emprunt qui leur a permis d'acheter des biens durables.

Il ne s'agit bien sûr que d'effets à court terme. L'impact dans trois ans ou plus sera peut-être tout à fait différent. Les revenus supplémentaires de l'activité financeront-ils la scolarisation des enfants ? Ou bien le poids des remboursements hebdomadaires se fera-t-il sentir davantage ? Les données sont en cours de collecte.

Le monde rêve d'une recette miracle contre la pauvreté et le microcrédit était un candidat tout à fait plausible. Ces études suggèrent qu'il est temps de revenir à une description plus nuancée de ses avantages possibles. Mais reprocher au microcrédit d'être inutile ou dangereux parce qu'il ne se révèle pas être cette recette miracle n'a pas grand sens.

Laisser de côté le discours polémique a aussi l'avantage de nous inciter à dépasser un débat binaire pour remettre en question le modèle canonique du microcrédit et nous demander comment il pourrait encore mieux servir ses emprunteurs. Une des limites du microcrédit est qu'il finance essentiellement des activités à toute petite échelle, de très faible croissance, bien éloignées de l'image d'Epinal d'un Bill Gates démarrant Microsoft dans son garage : dans les rues des villes d'Inde, d'Indonésie ou du Bangladesh, on voit d'innombrables petites épiceries, vendant toute la même chose, dont les bénéfices suffisent à peine à payer un salaire minimal à leur propriétaire, en dépit des dix à douze heures de travail quotidien. Ces micro-entreprises ont beaucoup de mal à passer à la vitesse supérieure : plus de 90 % des entreprises des clients de Spandana que nous avons étudiées n'ont pas d'employé ; aucune n'en a plus de trois. Dans quelle mesure la structure même du microcrédit contribue-t-elle à cet état de chose ?

Un premier aspect est la responsabilité solidaire, marque de fabrique du microcrédit. Elle décourage la prise de risque, car les autres femmes du groupe ne veulent pas prendre le risque de devoir rembourser en cas d'échec, alors qu'en cas de succès, elles n'empocheront pas les gains supplémentaires : elles auront donc tendance à empêcher les autres membres de se lancer dans des activités risquées, mais plus rentables. Or une étude récente aux Philippines montre que le prêt solidaire n'est pas essentiel au bon remboursement : les taux de remboursements sont tout aussi élevés dans les succursales traditionnelles que dans celles où les clientes sont seulement responsables de leur propre emprunt.

Le remboursement hebdomadaire et immédiat, autre pierre angulaire du microcrédit, a lui aussi ses limites. Au Bengale-Occidental, l'organisation Village Welfare Society a permis à certaines clientes de ne commencer à rembourser que quelques semaines après avoir perçu l'argent du prêt. Cela leur a permis de faire des investissements plus ambitieux et plus rentables : par exemple, celles qui voulaient se lancer dans la vente de vêtements ont acheté une machine à coudre plutôt qu'un stock de saris à revendre. Ce niveau de risque plus élevé a, bien sûr, conduit à plus d'échecs et donc à plus de non-remboursement.

Ainsi paradoxalement, le microcrédit, par ses règles actuelles, est plus adapté à financer des activités familiales qui vivotent que de véritables entreprises créant des emplois. Mais le mouvement est en train de se renouveler : certaines institutions de microcrédit (dont Grameen Bank,) ont discrètement abandonné le prêt solidaire. Elles continuent à demander à leurs clientes de se rencontrer chaque semaine, ces réunions créant des liens sociaux forts, facilitant l'entraide en cas de crise. Mais elles ne sanctionnent plus une cliente lorsqu'un membre du groupe ne rembourse pas. Par ailleurs, des organismes comme Accion aident les institutions de microfinance à proposer à leurs meilleurs clients des produits individuels, adaptés au financement d'entreprises un peu plus importantes. D'autres groupes proposent des formations en comptabilité ou en gestion à leurs clients.

Mais le financement n'est pas la seule barrière à la croissance des micro-entreprises. Dans de nombreux cas, les clients de la microfinance sont entrepreneurs faute de mieux. A la suite de la crise asiatique par exemple, le nombre d'entreprises familiales a explosé en Thaïlande. Mais contrairement aux périodes antérieures, ces entreprises n'ont pas prospéré. Leurs propriétaires les ont abandonnées dès que la situation économique s'est améliorée et qu'ils ont pu retrouver un emploi salarié. Ces entrepreneurs forcés rêvent, pour eux et pour leurs enfants, d'un emploi stable, qui semble, lui, enclencher une vraie dynamique de transformation : sa sécurité permet d'investir dans la scolarisation des enfants, la santé ou une maison plus accueillante.

Cela ne remet bien évidemment pas en cause l'utilité du microcrédit, puisque ces emplois stables n'existent pas ou pas en assez grand nombre. Une activité, même modeste, constitue déjà un revenu essentiel. Toutefois la vision romantique d'un milliard d'entrepreneurs aux pieds nus est probablement une illusion. Savoir distinguer ceux de leurs clients qui ont réellement le goût du risque et de l'entreprise de ceux qui y sont contraints, et offrir à chacun des services adaptés est le nouveau défi de la microfinance. Parallèlement, le développement d'un vrai secteur salarial (industriel ou de service) doit rester une priorité pour une politique économique dans les pays pauvres.


Esther Duflo est économiste.



A propos de l'auteur
Esther Duflo est professeur au Massachusetts Institute of Technology (MIT) et cofondatrice de la chaire Abdul LatifJameel Poverty Action Lab (J-PAL) sur la réduction de la pauvreté et le développement, elle a été, en 2009, titulaire de la chaire Savoirs contre pauvreté au Collège de France. Elle vient de publier "Le Développement humain" et "La Politique de l'autonomie" (Seuil-La République des idées, 11,50 € chaque volume)

dimanche 10 janvier 2010

دم الجندي معلق في رقابهم


د. فهمي هويدي
مسلسل الحماقات التي ارتكبناها في الأسبوع الماضي ظل مسكونا بعناصر الدهشة والصدمة والحزن. إذ ما خطر ببال أحد أن تلقى قافلة التضامن مع غزة (شريان الحياة) ذلك الكم من العراقيل وصنوف العنت والمعاناة. وما توقع أحد أن ينفلت العيار في نهاية المطاف، بحيث يتطور المشهد في إحدى حلقاته الأخيرة إلى تراشق واشتباك يؤدي إلى مقتل جندي مصري وإصابة 40 فلسطينيا.
لقد جاءت القافلة لكي تفضح الحصار الإسرائيلي لغزة في ذكرى الانقضاض عليها، وفوجئنا بأن الفضيحة أصبحت من نصيبنا في مصر، إذ تكفلت «الحكمة» التي تعاملنا بها مع القافلة بصرف الانتباه عن الجريمة الإسرائيلية، بحيث أصبحت الأضواء كلها مسلطة على تعسف السلطات المصرية وإجراءاتها المستغربة.
لقد قطع هؤلاء ثمانية آلاف كيلومتر وهم يقودون العربات من بريطانيا التي غادروها في السادس من شهر ديسمبر الماضي، حاملين معهم معونات بقيمة أربعة ملايين دولار، وبعد رحلة أنهكتهم وصلوا إلى العقبة ليعبروا منها إلى ميناء نويبع المصري، لكنهم أبلغوا بأن عليهم أن يعودوا أدراجهم إلى سوريا لكي يبحروا من ميناء اللاذقية إلى ميناء العريش، لم يكن ذلك يعني مزيدا من الإنهاك لهم فقط، ولا تأخيرا لهم عن الموعد الذي حددوه للوصول (27 ديسمبر) فقط، وإنما كان يعني أيضا تحميلهم بعبء مالي إضافي فاق طاقتهم (300 ألف دولار قيمة السفر بالطائرات وشحن السيارات بالبواخر والعبارات). وقد تكفل الأتراك والخليجيون بتغطية هذا المبلغ مناصفة، وحلوا بذلك الإشكال في هدوء.
بعد أن وصلوا إلى العريش دخلت معاناتهم طورا آخر فصلت فيه الصحف المستقلة، المهم أن الجميع نقلوا من المطار إلى ميناء العريش لكي يستقلوا عرباتهم وينطلقوا بها إلى معبر رفح، هناك وبعد وصولهم حوصر الميناء بألفين من جنود الأمن المركزي، في الميناء دخلوا في مفاوضات مع بعض المسؤولين المصريين حول ترتيبات عبورهم إلى القطاع، وهم هناك تحرشت بهم عناصر الشرطة التي رشقتهم بالحجارة. وذكرت صحيفة الدستور أن مجموعة منهم ارتدى أفرادها الثياب المدنية وكانوا يحملون عصيا كهربائية قامت بالاعتداء بالضرب على مجموعة من أعضاء القافلة (صحيفة نيويورك تايمز ووكالة أنباء رويترز وجيروزاليم بوست اتفقت على أن الشرطة هي التي بادرت بالاعتداء)، وهو ما أسفر عن إصابة 40 من أعضاء الحملة نقل 11 منهم إلى مسشفيات العريش، أخبار المفاوضات والاشتباكات وصلت إلى داخل القطاع، فتظاهرت مجموعات من الشباب الفلسطينيين، التي قامت برشق حرس الحدود المصريين، وتخلل ذلك تبادل لإطلاق النار. أدى إلى قتل الجندي المصري أحمد شعبان (لم تستبعد صحيفة الدستور أن يكون قد قتل برصاص قناص إسرائيلي) كما أدى إلى إصابة 40 فلسطينيا بجراح مختلفة اثنان منهم في حالة خطرة.
الصحف الحكومية عالجت ما جرى بصياغات مثيرة للانتباه، فقد ركزت على قتل الجندي المصري، ولم تذكر إصابة الفلسطينيين، ونقلت الأهرام على لسان مسؤول أمني أن أعضاء القافلة «ارتكبوا أفعالا مشينة في حين أن قوات الأمن تعاملت بأقصى درجات ضبط النفس». رئيس تحرير الجمهورية قال إنه اتضح فعلا أن حماس أخطر على حدودنا من العدو الواضح، وأن إسرائيل تقتل جنودنا بالخطأ، وحماس تقتلهم بتصويب متقن (؟!). روز اليوسف وصفت قافلة شريان الحياة بأنه «شريان البلطجة»، ورئيس تحريرها وصف الناشطين الذين انضموا إليها بـ «المنحطين» ووصف موقفهم بالانحطاط والخيانة. رئيس تحرير الأخبار طالب بمعاقبة حماس لتدفع الثمن غاليا، معتبرا أنه «لا عفو ولا مغفرة ولا تسامح بعد اليوم».
لقد قتل جندي مصري، وأصيب العشرات على الجانبين، وتناقلت وكالات الأنباء صور رجال الأمن المصري وهم يضربون بالعصي الكهربائية أعضاء القافلة، الذين بدأوا أمس في مغادرة القاهرة وهم يحملون ذكريات مريرة عن تجربتهم معها. إن دم الجندي الشهيد معلق في رقاب الذين حولوا الرحلة إلى أزمة دون مبرر، ثم فشلوا في إدارة الأزمة حتى حولوها إلى فضيحة أساءت إلى سمعة مصر ولطختها بالأوحال.

(المصدر: صحيفة "السبيل" (يومية – الأردن) الصادرة يوم 9 جانفي 2010)

vendredi 8 janvier 2010

Séguin le communicant ou la parfaite maîtrise des codes de la rhétorique

LEMONDE.FR | 07.01.10 | 20h20 • Mis à jour le 08.01.10 | 09h15

hercheur associé au laboratoire Communication et politique du CNRS, Philippe Riutort est l'auteur de Sociologie de la communication politique (La Découverte, 2007). Il décrypte la maîtrise du discours politique par Philippe Séguin, dont le verbe tranche dans le règne actuel des "communicants" sur la parole politique.

Philippe Séguin était connu pour son franc-parler et sa verve. Est-ce que ce "parler vrai" et sa gouaille étaient sincères ou bien y avait-il une part de calcul politique ?

Philippe Riutort : Chez un homme politique, il y a forcement une part de calcul. Mais il faut reconnaître à Philippe Séguin une forme de conviction et de hauteur de vue : il avait une vision de la politique comme étant une fonction noble et il était prêt à renoncer à certains honneurs pour ses convictions.

Quant à son franc-parler, cela relève de sa personnalité. C'était quelqu'un au caractère entier, aux colères célèbres, qui pouvait s'emporter. Il ne s'exprimait pas, dans ces cas-là, dans une langue policée, qui est la langue des politiques, même s'il en avait tous les moyens, en tant énarque, haut fonctionnaire, etc.

Il a bien entendu bénéficié de conseils en communication, en particulier en tant que ministre des affaires sociales, lorsqu'il a organisé, en 1987, les Etats généraux de la Sécurité sociale. C'est une grand-messe qui a été oubliée, mais qui était une véritable mise en scène médiatique.

Philippe Séguin était certes entouré de conseillers en communication, mais les écoutait-il ? Il refusait qu'on écrive ses discours pour lui.

Le fait d'être l'auteur de son propre discours politique accroît la sincérité et témoigne d'un refus d'une forme de délégation de la parole. L'orateur s'investit totalement dans ce qu'il dit. C'est une façon de concevoir la parole politique qui tranche avec ce que l'on voit aujourd'hui. Il y a très peu d'hommes politiques qui écrivent désormais leurs discours, pour ne pas dire aucun. Et on constate la même parole, d'un ministre à un autre, car des éléments de langage leur ont été conseillés préalablement par des communicants.

Pourquoi Philippe Séguin gardera-t-il cette image de bon orateur ? Est-ce parce qu'il maîtrisait parfaitement les codes du langage et de la communication ?

Il ne faut pas être obsédé par la communication. Si l'on prend les discours politiques qui ont produit le plus d'effet – ceux prononcés devant la Chambre de la IIIe République par Jaurès ou Clemenceau – ils ne relevaient pas des techniques de la communication moderne. A partir du moment où quelqu'un maîtrise la rhétorique, a fait des études littéraires et sait se servir des formules, il sait communiquer.

On a beaucoup vanté la culture politique, historique et littéraire de Philippe Séguin : ces caractéristiques permettent de produire un discours politique concis et à trouver les formules capables de faire mouche, ce que les journalistes appelleront les "petites phrases".

Ce ne sont pas forcément les politiques qui passent le plus par les logiques de la communication qui se font le plus entendre, dans la mesure où l'un des effets de la communication est justement d'aplanir les discours. La maîtrise littéraire de la langue et de la formule permet aussi de s'exprimer face à des publics très différents. De ce point de vue, les origines sociales et le milieu dans lequel a évolué Philippe Séguin dans son enfance étaient un atout pour pouvoir s'adresser à des publics assez composites. Autrement dit, pour ne pas tenir un "discours d'énarque".

Depuis qu'il présidait la Cour des comptes, son discours s'était assagi, mais il avait su rester incisif dans ses rapports, notamment au sujet du gouvernement. Est-ce qu'il a policé son image ?

L'effet de lissage est un effet de la fonction. Il n'y a guère que Nicolas Sarkozy dont le discours n'a pas varié en même temps que la fonction. Lorsque l'on est nommé à un poste qui nécessite une prise de hauteur, cela requiert une parole beaucoup plus rare. On n'entend pas le président de la Cour des comptes tous les quatre matins. Généralement, c'est lorsque sort le rapport annuel de la Cour. Par ailleurs, sa parole est soumise à un devoir de réserve.

Mais on a pu voir chez Philippe Séguin à la Cour des comptes comme chez Jean-Louis Debré au Conseil constitutionnel – ce n'est pas un hasard s'il s'agit de deux chiraquiens se réclamant du gaullisme – des interventions publiques tranchant avec le devoir de réserve. Séguin est intervenu sur la gestion des deniers publics et a mis en garde contre plusieurs décisions gouvernementales ou présidentielles, tranchant avec la neutralité et le silence généralement requis par sa fonction. Même des fonctions qui étaient jusqu'alors tenues au silence sont amenées – et c'est aussi un effet de la communication – à s'ouvrir de plus en plus.

mardi 5 janvier 2010

e téléphone mobile n'en finit plus de faire des dégâts dans l'industrie

Quelle sera la prochaine victime du téléphone mobile ? Après avoir relégué aux oubliettes l'assistant numérique personnel (PDA), très en vogue au début des années 2000, le petit appareil s'attaque maintenant au téléphone fixe, à l'appareil photo numérique, à l'iPod, voire à la montre. Il est l'illustration même de la "destruction créatrice" définie par l'économiste autrichien Joseph Aloïs Schumpeter. Et c'est loin d'être fini...

Les investisseurs auraient intérêt à se pencher sur les puissantes capacités schumpétériennes du téléphone portable. Au tout début de ce nouveau siècle, les banquiers s'échangeaient des informations via les rayons infrarouges d'un Palm Pilot désormais désuet. La société Palm arborait avec fierté une capitalisation de 92 milliards de dollars. Sa métamorphose dans les téléphones mobiles lui a coûté 97 % de sa valeur.

Le téléphone classique est la prochaine cible la plus évidente. Il a déjà disparu dans près d'un quart des foyers américains. Un vrai drame pour AT & T ou Verizon, qui doivent continuer d'entretenir à grands frais des infrastructures. Il n'est pas jusqu'à l'iPod qui n'ait pris un petit coup de vieux. Les ventes baissent. Apple ne s'en émeut guère : les clients écoutent leur musique sur un iPhone qu'ils ont payé plus cher.

Ne parlons pas du malheureux fabricant de montres. La plupart des adolescents consultent leur téléphone portable pour donner l'heure. Les concepteurs de gadgets sophistiqués qui mesurent le rythme cardiaque ne sont pas non plus à l'abri : il existe maintenant des applications sur téléphone mobile qui offrent le même service. C'est encore pire pour les systèmes GPS, les appareils photo et les détecteurs de radars. Pour donner une idée de l'ampleur des dégâts, lorsque Google a ouvert il y a peu une application de navigation gratuite, les titres Garmin et Tom-Tom se sont respectivement effondrés de 16 % et 23 % en Bourse. Comme Palm, Garmin espère s'en sortir en lançant son propre téléphone portable.

Dynamique de l'innovation

La destruction créatrice chère à Schumpeter fera aussi le bonheur de certains. Apple, Google et Facebook veulent bourrer les téléphones mobiles d'informations, de logiciels et de publicité. Une pléiade d'entreprises naîtra pour inventer de nouveaux produits. Il est moins facile de prévoir la direction que la tornade du téléphone prendra ensuite. Disons qu'il y a de bonnes chances que cela ait un rapport avec tout ce que l'on peut avoir dans les poches ou dans le sac à main. Cartes de crédit, argent liquide, clefs, papiers d'identité, livres, journaux, tickets et cartes d'embarquement pour le transport aérien constituent autant d'objets qui pourraient devenir électroniques. Alors, la dynamique de l'innovation récompensera les esprits créatifs et entreprenants, et laissera couler les autres.